السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
418
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فقر ، وذو الرحمة المطلقة التي ينعم بها على كل شيء بما يليق بحاله فلا يظلم سبحانه أحدا ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله : « وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ » الخ ؛ ومعنى الآية : وربك هو الذي يوصف بالغنى المطلق الذي لا فقر معه ولا حاجة ، وبالرحمة المطلقة التي وسعت كل شيء ومقتضى ذلك أنه قادر على أن يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء من الخلق برحمته والشاهد عليه أنه أنشأكم برحمته من ذرية قوم آخرين أذهبهم بغناه عنهم . وفي قوله : ما يَشاءُ دون أن يقال : من يشاء ، إبهام للدلالة على سعة القدرة . قوله تعالى : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي الأمر الإلهي من البعث والجزاء وهو الذي توعدون من طريق الوحي لآت البتة وما أنتم بمعجزين للّه حتى تمنعوا شيئا من ذلك أن يتحقق ففي الكلام تأكيد للوعد والوعيد السابقين . قوله تعالى : قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ إلى آخر الآية ؛ المكانة هي المنزلة والحالة التي يستقر عليها الشيء ، وعاقبة الشيء ما ينتهي إليه ، وهي في الأصل مصدر كالعقبى على ما قيل ، وقولهم : كانت له عاقبة الدار كناية عن نجاحه في سعيه وتمكنه مما قصده ، وفي الآية انعطاف إلى ما بدئ به الكلام ، وهو قوله تعالى قبل عدة آيات : « اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ » . والمعنى : قل للمشركين : يا قوم اعملوا على منزلتكم وحالتكم التي أنتم عليها من الشرك والكفر - وفيه تهديد بالأمر - ودوموا على ما أنتم عليه من الظلم إني عامل ومقيم على ما أنا عليه من الإيمان والدعوة إلى التوحيد فسوف تعلمون من يسعد وينجح في عمله ، وأنا الناجح دونكم فإنكم ظالمون بشرككم والظالمون لا يفلحون في ظلمهم . وربما قيل : إن قوله : « إِنِّي عامِلٌ » إخبار عن اللّه سبحانه أنه يعمل بما وعد به من البعث والجزاء ، وهو فاسد يدفعه سياق قوله : « فسوق تعلمون من تكون له عاقبة الدار » .